كتب طلال بزي: كان لبنان يعيش بالفعل إحدى أعمق الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث، إذ عانت البلاد من انهيار مصرفي كارثي، وفقدان هائل في قيمة عملتها، وتضخم حاد، ووهن في المؤسسات العامة، وفقر مستفحل. ومع ذلك، وفي الوقت الذي بدأ فيه لبنان يظهر علامات استقرار اقتصادي هش، وجهت المواجهة العسكرية المستمرة لحزب الله مع إسرائيل ضربة مدمرة أخرى. هذه ليست مجرد حجة سياسية، فالأدلة الاقتصادية واضحة، إذ أفاد البنك الدولي بأن الاقتصاد اللبناني توسع بنسبة تُقدَّر بـ 4.2% في عام 2025، وهو أقوى أداء له منذ بداية الأزمة المالية عام 2019. وكان ذلك التعافي هشًا ولكنه حقيقي، مدعومًا بالاستهلاك والاستثمار والسياحة وتحسن المؤشرات الاقتصادية. ثم جاء تجدد الحرب في آذار 2026 ليعكس اتجاه ذلك التقدم، إذ يتوقع البنك الدولي الآن أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في عام 2026. ويحدد البنك الدولي الصراع تحديدًا كعامل عرقل التعافي الاقتصادي للبلاد بشدة، مما أدى إلى إلحاق الضرر بالمسكن والبنية التحتية، وتشريد المجتمعات المحلية، وتعطيل سلاسل الإمداد، والتأثير بشكل بالغ على السياحة والطلب المحلي. إن لبنان لا يملك ببساطة الاحتياطيات الاقتصادية اللازمة لاستيعاب حروب متكررة. ويشير البنك الدولي إلى أن صراع عامي 2023–2024 وحده أدى إلى تكاليف اقتصادية تقارب 14 مليار دولار، شملت 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية و7.2 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية. وقُدّرت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار. حيث تمثل هذه المليارات المنازل مدمرة، وأعمالًا تجارية متضررة، وقطاع نقل معطلًا، وخسائر زراعية، وإيرادات سياحية مفقودة، وبنية تحتية مدمّرة، وأفرادًا عاجزين عن العمل. وقبل أن يتمكن لبنان من التعافي من تلك الخسائر، اندلع صراع آخر. إن الأضرار الاقتصادية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ميدان المعركة. فالسياحة تعاني لأن الزوار يحتاجون إلى الثقة والاستقرار، والمستثمرون يؤجلون قراراتهم لأنهم لا يستطيعون التنبؤ بما إذا كان التصعيد القادم سيغلق الطرق أو المطار أو الشركات. كما تخفض العائلات إنفاقها لعدم يقينها بظروف الشهر المقبل، وتتردد الشركات في التوظيف، بينما يفكر العمال اللبنانيون المهرة في مغادرة البلاد بدلاً من بناء مستقبلهم في اقتصاد معرض للحرب باستمرار. ويتوقع البنك ارتفاء معدل التضخم إلى 17.5% في عام 2026، مدفوعًا جزئيًا بتعطل الإمدادات، وارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار النفط. هنا يصبح دور حزب الله مسألة اقتصادية. فعندما يحول حزب الله أراضي مدنية ذات أهمية استراتيجية إلى معقل عسكري، تصل العواقب الاقتصادية إلى المجتمعات المجاورة. ويواجه المزارعون حالة من عدم اليقين بشأن الوصول إلى أراضيهم، وتخسر الشركات زبائنها، وتزداد صعوبة النقل، ويُشرد السكان، وتتضرر قيم العقارات وثقة الاستثمار، وتصبح إعادة الإعمار ضرورة تتكرر مرارًا وتكرارًا. بعبارة أخرى، تمثل تلة "علي الطاهر" تكلفة فرصة بديلة اقتصادية للبنان. فبدلًا من استخدام جغرافية جنوب لبنان أساسًا للزراعة والسياحة والإسكان والنقل والتنمية المدنية، استخدم حزب الله أراضي ذات قيمة استراتيجية كجزء من بنية تحتية عسكرية صُممت للمواجهة. وذكرت رويترز أن القوات الإسرائيلية أعلنت إخلاء مقاتلي حزب الله من الشبكة الجوفية، بينما ظل النطاق الدقيق للعملية موضع خلاف. وهذا يطرح سؤالًا محرجًا لحزب الله: إذا كانت بنيته التحتية العسكرية لا تستطيع حماية مقاتليه من الحصار تحت الأرض، وإذا كانت هذه البنية التحتية ذاتها تضع المجتمعات اللبنانية المحيطة في خطر، فما الذي يكسبه لبنان اقتصاديًا من ذلك بالضبط؟ إن لبنان بحاجة إلى الكهرباء، والمصارف الفعالة، والسياحة، والزراعة، والاستثمار، وفرص العمل، والبنية التحتية. والمنظومة العسكرية لحزب الله لا تخلق هذه الأسباب، بل إن المواجهة المتكررة تدمر الشروط الضرورية لتحقيقها. وتكتسب تقييمات البنك الدولي أهمية خاصة لأنها تفصل بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي الملموس. فلقد بدأ لبنان تعافيًا هشًا، لكن الصراع قطعه، وتواجه البلاد الآن تراجعًا في الإنتاج، وتضخمًا مرتفعًا، وسياحة معطلة، ونزوحًا، وبنية تحتية متضررة، ومتطلبات إعادة إعمار هائلة. هذا هو الاتهام الاقتصادي الرئيسي الموجه لحزب الله. لا يمكن للبنان بناء اقتصاد حديث بينما تستطيع تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة أن تقرر مرارًا وتكرارًا ما إذا كانت البلاد ستدخل حربًا أخرى أم لا. المستثمرون بحاجة إلى قابلية التنبؤ بالاستقرار، والسياح بحاجة إلى الأمان، والشركات بحاجة إلى بنية تحتية تعمل، والمصارف بحاجة إلى الثقة، والعائلات بحاجة إلى وظائف. ولا يمكن لأي من هذه الشروط أن تزدهر طالما ظل لبنان عرضة لتصعيد عسكري تقوده الاستراتيجية الإقليمية لحزب الله. لا يحتاج لبنان إلى المزيد من البنية التحتية العسكرية، بل هو بحاجة إلى بنية تحتية مدنية تحقق النمو. ويحتاج إلى طرق بدلًا من الأنفاق، وإلى شركات بدلًا من مستودعات الأسلحة، وإلى مزارع بدلًا من المواقع المحصنة، وإلى مدارس بدلًا من الملاجئ، وإلى الاستثمار بدلًا من إعادة الإعمار. وقبل كل شيء، يحتاج إلى الدولة اللبنانية لتمسك بقرار الحرب والسلم وحدها فقط.